محمد بن جعفر الكتاني
19
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
وقد قال بعض الحكماء : « ليت شعري ؛ أي شيء أدرك من فاته العلم ؟ ، وأي شيء فات من أدرك العلم ؟ ! » . وفي " تنبيه المغترين " للإمام الشعراني ، نقلا عن الحسن البصري قال : « العلماء سرج الأزمنة ؛ فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره ، ولولا العلماء لصار [ 17 ] الناس كالبهائم » . وذكره غيره عنه بلفظه : « لولا الأبدال لخسفت الأرض بمن فيها ، ولولا الصالحون لفسدت الأرض ، ولولا العلماء لكان الناس في عمى مثل البهائم ، ولولا السلطان لأكل الناس بعضهم بعضا ، ولولا الحمقاء لخربت الأرض ، ولولا الريح لأنتن ما بين السماء والأرض » . وعن أبي حنيفة والشافعي - رضي اللّه عنهما - قالا - حسبما نقله عنهما النووي في كتاب " التبيان " و " شرح المهذب " ، ونقله عنه الحطاب أول شرح " المختصر " ، وجسوس في " شرح تصوف المرشد " - : « إن لم يكن العلماء - وفي لفظ : الفقهاء - أولياء فليس للّه من ولي » ، وفي " الفوائد المتبعة في العوائد المتبدعة " للعلامة ابن زكري ما نصه : « وقد قال الإمام الشافعي وأبو حنيفة - رضي اللّه عنهما - وغيرهما : إن لم يكن العلماء أولياء فليس للّه من ولي » . بل صرح الشيخ أبو إسحاق الشاطبي بأفضلية درجة العلم على درجة الولاية ، وهو مأخوذ من أحاديث يطول جلبها ، ومثله في " لوامع أنوار الكوكب الدري " عند قول الإمام البوصيري رضي اللّه عنه : لم نخف بعدك الضلال وفينا * وارثوا نور هديك : العلماء قلت : ومراده بالعلم الذي درجته أفضل من درجة الولاية : العلم المصحوب بالخشية والتواضع ، والإنابة والتقوى ، المهتدى بصاحبه في الدين والدنيا . لا مجرد العلم . وبالولاية : ولاية الصلاح والانقطاع إلى العبادة والطاعة ، لا ولاية التخصيص والتقريب والتعريف ؛ فإنها أفضل . وعليه : فلا ينافي ما ذهب إليه المحققون ؛ كالشيخ أبي حامد الغزالي ، والأستاذ أبي القاسم القشيري وغيرهما من تفضيل درجة الولاية على درجة العلم ، لأن مرادهم بها : الولاية بالمعنى الثاني . . . فافهم . ومن جواب لابن رشد ذكره في " المعيار " ما نصه : « أما تفضيل العارفين باللّه على العارفين بأحكام اللّه ؛ فقول الأستاذ وأبي حامد متفق ، ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب للّه من أوصاف الجلال ونعوت الكمال أفضل من العارفين بالأحكام ، بل العارفون باللّه أفضل من أهل الأصول والفروع ، لأن العلم يشرف بشرف المعلوم » .